بقايا ذاكرة متهرئة
ثقافة,ادب,اعلام
طفولة قادمة حالة التشظي والبحث عن وجود مغيب

نزار عبد الغفار السامرائي

بشكل او بآخر يمكن ان ننظر الى النص الشعري على انه تعبير عن شيء ما أكثر أهمية من النص نفسه، تعبير عن شخصية الشاعر، عن الحالة النفسية او عن الموقف الاجتماعي لذلك فإننا نستطيع ان نجد الشاعر ماجد البلداوي بانتظار طفولة قادمة يحاول تأشير وقائع مضطربة عبر حياته التي انقضت من دون ان يؤسس وجودا في ذاته فبقي يفتقده بعد ان يجد ان مايمتلكه هو كائن آخر لاصلة له به:

" وسط هذا الركام

لا اجد ما يمكن ان أطلق عليه

سوى اعترافي بأنك ليس أنت  "

ورغم توجه البلداوي بالكلام للآخر عبر ضمير المتكلم فإننا نستطيع ان نجزم ان الآخر هذا لا يعني إلا ذات الشاعر نفسه أي انه عبر قصائده يتحدث مع نفسه ليقيم ما مضى من محاولات قام بها لتوكيد ذاته:

" افترض شكلا آخر

وادعوه باسمي

ربما اقترح صوتا خاصا "

وما يفعله الشاعر لا يشكل حالة غريبة إذا ما عرفنا ان الكثير من الأشخاص" يطلق تسميات على حالاته النفسية اعتمادا على الحالة او الوضعية الاجتماعية" وهذا هو ما يحاوله البلداوي..فواقع الحال ان ما يشعر به الشاعر هو حالة من التشظي بأبعاد مختلفة ولأسباب متعددة تقف عائقا أمام البحث الوجودي المفترض مما يدفع بالنهاية الى الإذعان والتمني..

" خذ انت كل شيء

واترك لي طفولتي

خذ ما تشاء

ودع الرماد يفتش

عن شبابه الغائب

خذ انت كل شيء ... كل شيء

واترك لي بقايا الحلم

عسى ان الملم شظاياي "  ص25

ولكنه بعد كل محاولاته يبقى كما هو وجود مغيب خلف الأخر الذي يتقمصه برغبة واحيانا مرغما (قصيدة مفاتيح – مفتاح 3- وفيما ينتقل هو من محاولة الى أخرى ..من قصيدة الى أخرى نكتشف ان الطفولة التي ينتظر قدومها ليست الا الشيخوخة التي يحاول الهرب منها لأنه ما بينها وبين طفولته الذاهبة لم يحقق ذاته.. هذا ما يمكن ان نكتشفه بسهولة مابين  المقطع الأول في المجموعة:

 " عواؤك البارحة

محاولة جادة لإيقاظ الوقت

هكذا ..وبكل ماتؤوله لغة الهواء

قررت ان تكون "  ص5

ومابين المقطع الأخير منها :

" فأبصر وجهي الملقى بمفترق الأزقة

شاحبا.. لا لون

لا طعم

لا وجع

رفات قصيدة أخرى

وأفئدة يهددها النعاس... " ص46

أو في مفتتح القصيدة ماقبل الأخيرة:

" هكذا تغادرنا أعمارنا ..

هكذا وبكل هذه الخسارة

نحصي سيئاتنا ونمضي." ص44

 لقد استطاع الشاعر ان يتقمص شكل الآخر أو بالأحرى ان يضفي صفة الآخر على ذاته ليشبعها لوما وتقريعا إزاء كل ما كان والذي لا يقطف منه في النهاية سوى الذكريات والأوجاع مما يدفعه للبحث عن آخر حقيقي يساعده في تحقيق مبتغاه فيستمد من تفاعله بالناس الآخرين إحساسه بالهوية وبالنفس وهو بذلك يؤكد الحاجة الى الآخر لتعزيز ديمومة وجوده مثلما يحتاج الى رعايتهم وعطفهم ولذلك أيضا تأتي قصيدة" كوميديا الدم" التي تمثل هذا باتجاه مغاير لقصائد المجموعة الأخرى التي دارت في فلك ذات الشاعر المنفردة كما سبق الإشارة إليه.. وفي النهاية لا نجد إلا ان نتساءل مع الشاعر هل كان له أفق؟ ونبقى ننتظر الإجابة رغم انه اجزم مبكرا بالفشل!

" مهما حاولت لن تتمكن من القاء القبض على روحك الشاردة

ومهما صرخت سيظل صوتك المبحوح

دليل خرسك الدائم ..." ص6

______________  

طفولة قادمة / شعر ماجد البلداوي /1998 /دار الشؤون الثقافية العامة / سلسلة ثقافة ضد الحصار /

ــــــــــــــــــــــــــــــ نشرت في جريدة العراق الصادرة في الخميس 2 تموز 1999ـــــــــــــــــــــــــــــ   

 

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية